الشيخ محمد هادي معرفة
129
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
ثورة جديدة قامت فيها . أمّا الاحتجاج بالآيات فاحتجاج مقلوب ، لأنّ الآية الأُولى لاتشي بوقوع الأمر : « وَلَوْ لا أَنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ » . « 1 » فالآية تقول : إنَّ اللّه ثبّته فلم يفعل . وأمّا آية التمنّي فلاصلة لها بحديث الغرانيق ، وقد تقدّم شأنها . ودليل آخر أقوى وأقطع : سياق السورة وعدم احتماله لمسألة الغرانيق ، فإنّها ذمّ صريح ، ولهجة تقريع لا ينسجم وإدراج هكذا جملة ، الأمر الذي لا يكاد يخفى على العرب آنذاك . وأيضا فإنّ وصف آلهة قريش بالغرانيق لم يأت في نظمهم هم ولا في خطبهم ولا شئ من معنى الغرنوق يلائم معنى الآلهة التي وصفها العرب - كما قاله الشيخ محمد عبده - . وبقيت حجّة قاطعة نسوقها للدلالة على استحالة قصة الغرانيق هذه ، من حياة محمد نفسه ، « فهو منذ طفولته وصباه وشبابه لم يجرَّب عليه الكذب قط ، حتى سمّي الأمين . وكان صدقه أمرا مسلّما به من الناس جميعا ، فكيف يصدق إنسان أنّه يقول على ربّه مالم يقل ، ويخشى الناس واللّه أحقّ أن يخشاه ! هذا أمر مستحيل ، يدرك استحالته الذين درسوا هذه النفوس القويّة الممتازة التي تعرف الصلابة في الحقّ ولاتداجي فيه لأي اعتبار » . « 2 » والآيتان - من سورة الإسراء وسورة الحج - لاتمسّان قصة الغرانيق في شيء ، وإنّما تعنيان شيئا آخر ذكره المفسّرون . وسيأتي تفصيل الكلام فيهما في خاتمة الجزء الثالث من هذا الكتاب عند التعرض لمسألة العصمة عند الكلام عن عصمة خاتم النبيّين صلى الله عليه وآله وإليك الآن إجمال الكلام فيهما :
--> ( 1 ) - الإسراء 74 : 17 . ( 2 ) - حياة محمد لمحمدحسين هيكل ، ص 124 - 129 .